فهم أحوال يوم القيامة من منظور علمي

2006/6/2

زيد غزّاوي

 

السبب الوحيد الذي يذكره المولى في القرآن لتكذيب الناس بآياته، وبهداه هو عدم رغبتهم بالتصديق بأن الله سيحييهم يوم القيامة وأنه سوف يحاسبهم على أعمالهم، كما يصف ذلك الحق في الآية 25 من سورة الجاثية "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ". ومن رحمة الله بالناس فإنه يفصل لهم أحوال يوم القيامة وكيفية إحياء الموتى في القرآن الكريم ليكونوا على يقين بصدق وعد الله لهم "اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ" ( سورة الرعد آية 2).

يبين هذا الموضوع آية عظيمة من آيات المولى ألا وهي بيان وتفصيل أحوال يوم القيامة من منظور علمي ليكون الناس على يقين ببعثهم وحسابهم ولتكون هذه الآية رحمة للمؤمنين وسبب في هداية الناس إلى كتاب الله عز وجل. حيث يبين لنا المولى أحوال يوم القيامة من منظور علمي في قوله في الآيات (1-5 من سورة الانفطار) "إذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ"

يمكن تصنيف أحوال يوم القيامة كما ذكرها المولى في هذه الآيات إلى ثلاث فئات وهي: حال السماوات "إذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ"، حال الأرض "وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ"، و حال الناس "وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ". فيبين هذا البحث تفصيل كل فئة من هذه الفئات من منظور علمي.

حال السماوات يوم القيامة

يبين الله عز و جل حال السماوات يوم القيامة في قوله "إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ"، فقول الله بأن السماء تنفطر يدل على أن السماوات تتألف من نسيج يشقه الله يوم القيامة ويمكن معرفة ماهية هذا النسيج عن طريق التفكر في كيفية اتزان الكواكب في السماء الآن، فنجد على سبيل المثال في المجموعة الشمسية بأن الشمس تحفظ أماكن الكواكب في مجالها عن طريق مجال الجاذبية التي تولده بحيث أن قوة جذب الشمس للكوكب تساوي في المقدار وتعاكس في الاتجاه القوة الطاردة المركزية المتولدة من دوران الكوكب حول الشمس.

ويعلمنا المولى أيضا ماهية مجال الجاذبية للنجوم في الآية السابعة من سورة الذرايات "وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ"، حيث يعلمنا الله بأن السماء تتألف من حبك "أي حبال منسوجة على هيئة نسيج" وبالتالي فإن مجال الجاذبية للنجوم يتألف من حبال على هيئة نسيج تقوم بالشد على الأجسام التي تقع في مجال جاذبية النجمة ويوم القيامة يطمس الله النجوم كما يصف ذلك الحق في آية 8 من سورة المرسلات "فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ" وبالتالي ينتهي مجال الجاذبية المؤثر على الكواكب و ينفطر نسيج الطاقة في السماء وبالتالي تتبعثر الكواكب في السماء وتصبح مثل الحجارة المبعثرة وهذا يفسر قول الحق "وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ".

 



حال الأرض يوم القيامة

يعلمنا المولى أيضا حال الأرض يوم القيامة في قوله "وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ"، حيث أنه يوجد الآن براكين تحت البحار والمحيطات ويوم القيامة يفجر المولى هذه البراكين و بالتالي يخرج الحمم البركاني منها والذي يتألف من صخور، معادن، تربة، وغيرها. وبما أن درجة حرارة هذا الحمم كبيرة جدا فإنها ترفع درجة حرارة المحيطات ويبدأ ماء المحيطات بالتبخر ويتحول إلى غمام في سماء الأرض. وبالتالي تختفي المحيطات والبحار يوم القيامة وتصبح يابسة وأرض مستوية بفعل تبخر ماءها وخروج الحمم البركاني من تحتها لتكون مكان لحشر الناس وحسابهم، ومن هنا يفهم قول الحق في آية 48 من سورة إبراهيم "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ". حيث تبدل الأرض إلى أرض كلها يابسة غريبة عن معرفة الإنسان للأرض الآن لتكون مكانا لحشر الناس للحساب.

 



حال الناس يوم القيامة

بعد تغير السماوات والأرض يقول الحق "وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ"، و هنا يبين الحق حال الناس في ذلك اليوم و كيفية إحياء الموتى. فنلاحظ أن ترتيب الآيات في القرآن الكريم يفيد الترتيب الزمني للأحداث فبعد تبعثر الكواكب وتغير الأرض إلى أرض يابسة لا عوج فيها يأتي بعث الناس حيث يبين الله الآلية العلمية لكيفية إحياء الموتى يوم القيامة في آية 9 من سورة فاطر "وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ"، فالآلية العلمية التي سيسخرها المولى يوم القيامة لإحياء الموتى هي ذاتها التي يسخرها الآن لإحياء الأرض الميتة بإنبات النبات فيها.

بعد موت الإنسان يتحلل كل جسده ماعدا قطعة عظمية واحدة وهي العظمة في نهاية العمود الفقري التي وصفها حبيبنا محمد بعجب الذنب. وهذه القطعة العظمية لها شكل مطابق لبذرة النبات وتحتوي على خلايا تستطيع الانقسام والتخصص لتصبح أي خلية يحتاجها جسم الإنسان لنموه من خلايا عظمية، عضلية، عصبية، وغيرها. فيوم القيامة ينزل الله المطر من الغمام الذي تكون بفعل تبخر الماء من المحيطات وعند نزول هذا المطر على القبور التي تحتوي بداخلها على عظام نهاية العمود الفقري للموتى تهتز وتنمو الخلايا المحتواة في هذه العظمة وينبت الإنسان منها كما تنبت النبتة من بذرتها ونجد تصديق ذلك في قول الحق في آية 39 من سورة فصلت "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". وبعد ذلك يتبعثر التراب المحيط بالقبر بفعل خروج الإنسان من قبره و هذا يفسر قول المولى: "وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ" وبعد ذلك يأتي الحساب "عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ".

 



رحمة الله في بيان هذه الآية للناس

بيان الله عز وجل لهذه الآية للناس هو من جوانب رحمته بالمؤمنين، حيث أصبح هناك الآن فهم لدى الإنسان المؤمن لأحوال يوم القيامة من منظور علمي فعندما يبعث المؤمن و يرى هذه الأحوال أمامه فإنه يكون مهيئا لما يراه وبالتالي ذاك يخفف من وطأة ذلك اليوم عليه. وبالمقابل الإنسان الظالم لنفسه "أي الذي هجر كتاب الله و لم يتدبر آياته" لا يكون مهيئا على الإطلاق لهذه الأحوال وبالتالي ذاك يزيد من شدة وطأة ذلك اليوم عليه تصديقا لقول الحق في آية 82 من سورة الإسراء: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا".
 

 

 استاذ الهندسة الطبية في الجامعة الهاشمية

www.quran-miracle.com