زيد غزّاوي
إذا تفكر الإنسان
المؤمن في أول آية في كتاب الله عز و جل و هي "بسم الله الرحمن
الرحيم"، فإنه يجد بأن أكثر صفة ألزمها المولى لأسمه هي الرحمة، ونجد
بأنه في أول آية يكرر الله عز وجل لفظ الرحمة مرتين "الرحمن الرحيم".
ولمعرفة الحكمة من هذا الأمر علينا أن نتفكر في الآية السابعة من سورة
غافر وهي "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً
وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ".
حيث نجد بأن الملائكة يصفون الله بأنه وسع كل شيء رحمة وعلما، ونلاحظ
بأنه في هذا الوصف قدمت كلمة الرحمة على العلم وهذا يفيد بأن رحمة الله
سبقت علمه. وهذا يعني بأن المولى إذا أراد أن يخلق أي شيء فإن متطلبات
الرحمة هي مواصفات هذا الخلق. فخلق الرحمن عبارة عن تصميم هندسي مبني
على مواصفات الرحمة، وتبين الأمثلة التالي ذكرها كيف أن خلق الله مبني
على الرحمة ولماذا وصف الله نفسه بالرحمن الرحيم.
رحمة الله عز وجل في خلق جسم الإنسان:
عندما أراد الله عز وجل خلق الهيكل العظمي في جسم آدم عليه السلام فإن
الرحمة تطلبت بأن يكون هذا المنشأ الذي يحمل وزن أعضاء الجسم خفيف
الوزن لتقليل الجهد اللازم بذله لرفع أطراف الجسم وتقليل الجهد المبذول
في الحركة. فيأتي علم الله عز وجل ليجعل هذه المواصفات خلقا ماديا،
فنجد أن الله عز وجل خلق العظم البشري من مادة فخارية، كما يصف ذلك
المولى في آية 14 من سورة الرحمن "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ
كَالْفَخَّارِ". فاختيار الله للمادة الفخارية هو لأن الرحمة تطلبت ذلك
ولأن المادة الفخارية تتميز بأنها خفيفة الوزن وقاسية في ذات الوقت مما
يضمن خفة في الوزن وسهولة في الحركة.
ومثال آخر على رحمة المولى في جسم الإنسان تكمن في خلق الله عز وجل
للمفاصل وهذه آية يراها كل إنسان كل يوم أمام عينيه، حيث أن الرحمة
تطلبت في خلق المفاصل أن لا يحدث شد كبير للجلد عند انثناء المفصل لكي
لا يحدث ألم عند الحركة من الشد الناتج في الجلد عند المفصل. فيأتي علم
المولى لإظهار هذه الرحمة في خلق تعرجات في الجلد المحيط بالمفصل وهذه
التعرجات تزيد من كمية الجلد عند المفاصل وبالتالي عند انثناء المفصل
فإنه لا يحدث شد كبير في الجلد في تلك المنطقة لأن هناك كمية إضافية في
الجلد وبالتالي لا يوجد الم عند الحركة وانثناء المفصل.

رحمة الله عز وجل في خلق النحل:
عندما أراد المولى خلق النحل فإن الرحمة تطلبت أن تبذل النحلة أقل جهد
ممكن في بناء بيتها، فيأتي علم الله عز وجل ليجعل هذه المواصفة خلقا في
أن المولى أوحى للنحل بناء جدار بيتها بترتيب سداسي والذي يضمن تغطية
اكبر حجما بأقل كمية من مادة الشمع وبالتالي بذل أقل جهد من النحلة في
جمع الطعام لتصنيع الشمع اللازم لإتمام صنع بيتها.
وتتطلب الرحمة في خلق الأسماك والطيور بأن يبذل هذا المخلوق أقل جهد في
الحركة في الماء أو الهواء، فيأتي علم الله لإظهار متطلب الرحمة هذا في
خلقه لمقدمة أجسام الأسماك والطيور بشكل محدب ومدبب مما يضمن تمزيق
نسيج الماء والهواء المكون من ذراتهما بأقل جهد ممكن من عضلات السمكة
والطير "مثل قطع السكين لنسيج قماش".

وتتطلب الرحمة في خلق الله عز وجل للفراش أن تستطيع الفراشة الطيران
بأقل جهد ممكن من عضلاتها، فيأتي علم المولى لإظهار هذه الرحمة في أنه
خلق أجنحة الفراش بحيث أن له مساحة تماس كبيرة مع الهواء وبالتالي فإن
حركة قليلة لجناح الفراشة تولد قوة رفع كبيرة للفراشة وبالتالي لا تتعب
الفراشة في حركتها.

وعندما أراد المولى خلق النبات فإن الرحمة تطلبت أنه عند تعرض النبتة
لرياح شديدة فيجب أن لا تتعرض أغصانها لانثناءات كبيرة لكي لا تتعرض
للكسر. فيأتي علم المولى لإظهار متطلب الرحمة هذا في خلقه لآلية في جسم
النبتة بحيث أن هذه الآلية تزيد المساحة العرضية وكمية الخشب في النبتة
عند تعرضها لاهتزازات كبيرة من أثر الرياح الشديدة. تؤدي هذه الزيادة
في كمية الخشب إلى زيادة قوة وقساوة أغصان النبتة وبالتالي تقليل
الانثناءات الناتجة في أغصانها وبالتالي إزالة خطر حدوث الكسور في جسم
النبتة.
وتبين من الأمثلة السابقة كيف أن خلق الله مبني على أساس الرحمة وتبين
الحكمة من أن المولى ألزم صفة الرحمة إلى اسمه، وأنه يريد الرحمة
والهداية للناس أجمعين ويبين لهم هذه الآيات لكي يلين قلبهم إلى الله
وإلى رسالته المحتواة في القرآن الكريم وأوامره المبنية على الرحمة.
فيجب على الإنسان المؤمن أن يبين هذه الرحمة للناس أجمعين لكي يعودوا
إلى الله ويدركوا حب الله عز وجل لهم وكيف أنه صمم أجسامهم على أساس
الرحمة ونلاحظ جمال وصف الملائكة لله بأنه وسع كل شيء رحمة وعلما.
تعتبر آية "خلق الرحمن أساسه الرحمة" آية عظيمة من الحق يراها كل إنسان
أمام عينيه كل يوم ويستطيع أن يفهمها أي إنسان بغض النظر عن لغته
وثقافته.
استاذ الهندسة الطبية في الجامعة الهاشمية
www.quran-miracle.com