زيد غزّاوي
يقول الحق جل وعلى في سورة يوسف الآية 111: "لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ
حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"،
حيث يبين أن في قصص الأنبياء كما ذكرها سبحانه في القرآن الكريم آيات
للناس وهدى ورحمة للمؤمنين وأن المولى لم يذكرها للتسلية والسرد بدون
أن يتفكر الإنسان فيها. ويبين هذا الموضوع المعرفة التي يمكن تعلمها من
التفكر في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء.
محمد صلى الله عليه وسلم في الغار
كان حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يذهب قبل نزول
الرسالة عليه إلى غار حراء ليقضي هناك الساعات والأيام الطوال في عمل
شيئين رئيسين وهما، أولا التفكر في الله عز وجل وثانيهما التفكر في خلق
الله. ونلاحظ أنه في الكثير من المقالات والدروس حول هذا الأمر يكتفى
بسرد هذه القصة بدون التفكر فيها وبدون فهم حكمة الله من هدي نبيه
للقيام بهذا قبل نزول الرسالة عليه. والسؤال هنا، ما هي حكمة المولى من
هدي نبيه للذهاب إلى الغار؟:
يمكن فهم حكمة الله عز وجل في هذا من الآية الرابعة
عشرة من سورة المؤمنون بقوله تعالى:"ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ
عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا
آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". حيث تعتبر هذه
الآية الكريمة منهاجا متكاملا في فهم جسم الإنسان، فإذا تفكرنا في قول
الحق من بداية الآية إلى الكلمات-ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ-،
نجد بأن المولى يبين هنا مراحل خلق الإنسان في رحم المرأة وفي هذه
المراحل يضع الحق ما يشاء من عدد الخلايا التي تنقسم وتصبح خلايا
العظم، العضلات، الجلد، الأعصاب، وغيرها. وكمية هذه الخلايا في هذه
المرحلة مستقلة عن المؤثرات الخارجية على جسم الإنسان من قوى
ميكانيكية، كهرومعناطيسية، وغيرها، لأن الجسم خلقه الله في رحم المرأة
معزول عن هذه المؤثرات.
يصف الله عز وجل الآليات الحيوية العاملة في الجسم
بعد الولادة بقوله:"ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ"، حيث تفسر هذه
الكلمات بأن الله ينشأ الإنسان بعد الولادة -أي ينمو- بطريقة خلق
مختلفة عن تلك عندما كان الإنسان في رحم المرأة، حيث أسميت هذه الطريقة
بالتأقلم الوظيفي لجسم الإنسان و يمكن شرحها عن طريق المثالين
التاليين:
المثال الأول على التأقلم الوظيفي لجسم الإنسان: وضع
الله عز و جل سنة اللعب في الأطفال وذكرها في سورة يوسف في الآية 12
"أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ"، حيث أن اللعب في الأطفال يؤدي إلى تعريض العظم والعضلات
لقوى ميكانيكية بعد الولادة والتي تمثل الإشارة الميكانيكية التي تؤدي
إلى زيادة عدد الخلايا العظمية والعضلية وإلى زيادة نضج النسيج العظمي
والعضلي في جسم الإنسان. ويؤدي عدم السماح للأطفال بالعب إلى ضمور
العظم والعضلات لديهم وتدني الحالة الصحية لهم.
فنلاحظ دقة وصف المولى في الآية الكريمة إلى أن الإنسان
بعد الولادة ينمو بطريقة خلق أخرى عن طريق التأقلم الوظيفي للمؤثرات
الخارجية التي يتعرض لها الجسم.
ووضع الله عز وجل سنة أخرى في الأطفال وهي كثرة السؤال
والتفكر فيما يرونه، حيث أن التفكر في الأمور يمثل الإشارة
الكهرومغناطيسية التي تؤدي إلى زيادة عدد الخلايا العصبية في الدماغ
بعد الولادة وإلى زيادة نضج وقوة الوصلات العصبية في الدماغ البشري.
حيث أنه كلما تفكر وتدبر الإنسان أكثر كلما زاد نضج الوصلات العصبية في
الدماغ و التي تؤدي إلى سرعة السيالات العصبية في الدماغ والقدرة
الأكبر على الربط والتحليل -أي زيادة في ذكاء الإنسان- وبالمقابل يؤدي
عدم التفكر في الأمور وإتباع أسلوب السرد والتلقين إلى ضمور الوصلات
العصبية في الدماغ وإلى التقليل من سرعة السيالات العصبية في الدماغ،
أي إلى التقليل من ذكاء الإنسان.
فمن هنا يفهم لماذا هدى الله عز وجل حبيبه محمد صلى
الله عليه وسلم إلى كثرة التفكر في المولى والتفكر في الخلق وذلك لكي
يزيد ذكاء الحبيب محمد ويصبح من أولي الألباب الذين يتمتعون بالخصائص
التالية:
•سرعة في معالجة المعلومات في الدماغ (سرعة البديهة)
•القدرة على الربط، التحليل، واستنباط علم جديد
•القدرة على التصرف السليم في المواقف المختلفة
•القدرة على المناظرة وإظهار الحجة البالغة
•الفهم الصحيح للقرآن الكريم وهدى الله عز و جل للناس
•احترام الناس لهؤلاء و احترام مصدر علمهم وعقيدتهم
•ارتقائهم إلى المرتبة التي أراد الله عز وجل لبني آدم
أن يكونوا فيها عن طريق العلم والمعرفة، ويمكن تأكيد الاستنتاج المبين
في هذه المقالة من القرآن الكريم وأحاديث الحبيب محمد، في أن المولى
يقول في- حيث يعظنا الله بأن نتدبر أي نتفكر في القرآن الكريم وليس فقط
عملية القراءة السردية له -آية رقم 24 من سورة محمد بقوله:"أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" وذلك
ليزيد ذكاء الإنسان المسلم ويصبح قادرا على الدعوة إلى الله بالحجة
والموعظة الحسنة. ووعظنا الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم بأن لا نكون
إمعة، والإمعة هو الذي لا رأي له أي الذي يتبع ما يسمع بدون أن يتفكر
فيما سمع. فيعظنا حبيبنا محمد بأن نتفكر ونتدبر في الأمور رحمة بنا
لنواحي كثيرة ومنها زيادة ذكاء الإنسان المسلم و الذي يؤدي إلى رفعته
وتقدمه.
أهمية قصة غار حراء
يمكن تلخيص بعض جوانب أهمية هذه قصة تعبد الرسول في
غار حراء بالنقاط التالية:
1. يعلمنا المولى عز وجل الآلية العلمية لكيفية زيادة
ذكاء الإنسان عن طريق التفكر في كتاب الله وفي خلقه.
2. يعلمنا المولى أهمية تدريب الأبناء على أسلوب التفكر
وتحليل الأمور وليس عملية السرد والتلقين التي تؤدي إلى ضمور الوصلات
العصبية في الدماغ وبالتالي انخفاض ذكاء الأبناء.
3. تعليم المسلمين كيف يكونون من أولي الألباب الذين
يسعون في الأرض لإعلاء كلمة الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة وهم
الذين وعدهم الله بالنصر والرفعة.
استاذ الهندسة الطبية في الجامعة الهاشمية
www.quran-miracle.com